كانت الضفدعة – وهذا مفهوم من قولها – تعيش بالقرب من إحدى البرك ، ولقد سمعها الهدهد ، الذى كان يلتقط بعض الديدان ، فتوقف عما يفعل مندهشا، وصاح يقول : إذا كان لى جناحان ، فلماذا أركب طائرة ؟! كانت ملاحظة ذكية ، ومن يملك فهما ، فسوف تصل إليه حكمتها مباشرة ، ولقد سمعت الضفدعة الهدد جيدا، وعرفت أنه يقصدها بقوله ، إذ أنها تملك رجلين خلفيتين طويلتين بهما أغشية جلدية ، وهما رجلان تشبهان المجداف ، وتستطيع السباحة بهما ، دون مشقة فى مياه البركة ، فتذهب إلى حيث تشاء . صاحت الضفدعة : انتبه لنفسك ، ودع الآخرين ، ولا تتدخل فى شئونهم . لاحظ الهدهد أن الجندب قد سكت عن الصفير المزعج ، واقترب من الضفدعة قائلا : أما أنا فسوف أصنع نفيرا ، أنفخ فيه بعض الألحان . لم يتحمل الهدهد هذه الكلمات ، وكان لابد أن يقول : إذا كنت أستطيع الصفير ، فلماذا أرهق أنفاسى بالنفخ فى نفير ؟! لم يعلق الجندب ، فقد عرف أن الهدهد يقصده ، فهو له أجنحة دائمة الحركة ، ويصدر عن هذه الحركة صفير معروف عن الجندب . طار الهدهد وارتفع ، ثم هبط على أحد الأفرع لشجرة مزروعة على حافة البركة، كان يشاهد من مكانه الجديد كيف اقترب الجندب من الضفدعة ، والضفدعة قد اقتربت من الجندب ، وأخذا يتهامسان طويلا ، مما أصابه بالضيق والضجر ، فصاح: ما دام لى أذنان ، وأستطيع الكلام ، وأملك الحقيقة ، فلماذا أهمس ؟! قالت الضفدعة : لقد أوقعتنى فى الحرج . صاح الهدهد : أنا ؟! وقال الجندب : نعم .. أنت أيها الهدهد أوقعتنى فى الحرج أيضا. صاح الهدهد مندهشا : أنا ؟! كيف كان هذا ؟! قالت الضفدعة : أنا كنت أحدث نفسى ، وأنت لم تترك لى الفرصة لأتأمل إن كنت على خطأ أو صواب . وقال الجندب : لم تترك لى الفرصة لأعرف هل هو قول جاد ، أم أنه حلم من أحلام اليقظة يذهب كما جاء . ضحك الهدهد كثيرا ، حتى أن عدوى الضحك انتقلت إلى كل من الضفدعة والجندب ، وبعد أن انتهى الضحك ، قال الهدهد : صديقاى .. لقد تعلمت منكما درسا اليوم ، وأنا الذى كنت أظن أننى حكيم .. لقد تسرعت .. أرجو عفوكما . وعاد الهدهد إلى فرع الشجرة ، وهو أكثر حكمة عما قبل ..
ظهر فى أحد أجيال الفئران فأر يملك لسانا يعرف
سر الكلمات ، وسحرها .. كانت الأمور يمكن لها أن تتوقف عند هذا الحد ..
لسان فصيح يقابله إعجاب وتقدير ، ولكن الفأر المتكلم رأى روعة الاستقبال فى
المحافل ، تودعه الأكف بالتصفيق المتواصل، والمطالبة لا تهدأ باستعادته ليتكلم .. وانزلق الفأر أكثر إلى مهاو لا جدران لها ولا
منفذ حين قال : الأسود ضئيلة الشأن بجانب الفئران النبيلة الأصل .. ..................................................
......... البغاث : الطيور
الصغيرة التى لا تصيد كالعصافير وغيرها * * يستنسر : يصير نسرا .
وكان الفأر أعلم بمضغ فيه ، فحين يقف فى جمع
الفئران ويتكلم ، يدير الرؤوس، وتلفها نشوة، وتحلق أدمغتها فى خيال شائق وممتع ..
كل فأر يتمثل نفسه أسدا ، وقد كانوا يعرفون ما
هو الأسد فهنا واحد يسكن بجوارهم ، ولكنهم لم يتعاملوا معه من قبل ، فأى علاقة
يمكن أن تكون بين أسد وفأر ؟!
صاحت الفئران ، والفأر يخطب فيهم : أنت خطيبنا
.. أنت اللبيب بيننا .. أنت حكيمنا ..
صار كل فأر يفخر بنفسه ويختال ..
فى إحدى المرات أخذت الحماسة الفأر إلى السماء
حيث النجوم تتلألأ ، فكأنه استطال حتى أمسك بها .. صرخ الفأر : لسنا مثل النعامة
لاطير ، ولا جمل ..
هاجت الفئران وألهب التصفيق أكفها ، وقامت
مجموعة منها تهتف بسقوط الأسود ، ثم أنهت هتافها بهذا القول : إن كان الأسد ريحا ،
فقد لاقى إعصارا ..
عاشت الفئران .. عاشت الفئران .. عاشت .. عاشت ..
أشار الفأر بيديه لتهدأ الفئران ، ثم أكسب صوته
نبرة ذات دلالة وخطر ، وقال : الفئران أسود حقيقية .
وحتى يقنع الفئران بهذا القول أردف يقول :
الأسود لها شوارب ونحن لنا شوارب .. الأسود لها أسنان ، ونحن لنا .. الأسود تأكل
اللحم ونحن نأكله.. الأسود لها ذيل ، ونحن لنا ذيول ..
تأمل الفأر لحظة عيون الفئران ، فوجد الدهشة
تسكن فيها ، فقال بسرعة : صحيح أن الأسود كبيرة الحجم ، ونحن صغار الحجم .. هذا لا
يهم ..
أجابته الفئران : صحيح .. وماذا تقول فى هذا ؟!
قال الفأر : إن المثل السائر يقول " يضع
سره فى أضعف خلقه " ونحن نملك سر القوة .. نحن أذكى من الأسد ..
عند هذا كانت الفئران قد وصلت إلى قمة الإثارة ،
فصرخت طالبة بإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح ، واتخذت القرار النهائى حين قالت :
لابد من إخضاع الأسد.. سنقبض على الأسد ، ليعمل فى خدمة الفئران ..
كونت الفئران جيشا وافر الجنود ، وانطلقت إلى
عرين الأسد ، وكان الفأر المتكلم يتقدم هذا الجيش ، يخطب الخطب الحماسية ، والجميع
منجذب إليه ، لا يرى إلا خطيبه المفوه ..
وصلت الفئران إلى قرب عرين الأسد ، واصطفوا
إيذانا بالهجوم ..
اندهش الأسد من هذا الضجيج المزعج ، وخرج يستطلع
أسبابه ، فلما شاهد الفئران تعجب من هذا الفأر الذى يقودها ، ويبح صوته ، ويتكلم
كلاما غيرلائق عنه ..ضرب الأسد الأرض ، وتصاعد التراب ، وفغر فاه ،
فلمعت أنيابه الهائلة ، وفجأة دوى شىء ما ورعد ، كأن آلاف الأحجار تدحرجت من أعلى
جبل .. كان الأسد يزأر ..وفى اندفاع المذعورين تقهقرت الفئران وتراجعت ،
وفى تراجعها الخائف داست على الفأر الخطيب، فسكت عن الكلام نهائيا ، وعرفت
الفئران أن الكلام سهل ، أما القدرة على الفعل فشىء آخر
فى بلدة قديمة اشتغل رجل عند رجل .. وليس فى هذا أدنى مؤاخذة ، فالذي يملك ساعدين قويين تنفتح له أبواب العمل، وقد عاين صاحب العمل قوة طالب العمل ، واتفقا على الأجر .. كان الأجر عشرين سباطة من سباط النخل عند طلوعه ، ويطلق عليه " البشائر" اتفقا على هذا ، وكل رجل من الرجلين رضى تمام الرضا ، وبعدها صاح صاحب العمل : - هيا يا رجل .. ابدأ العمل باشر الأجير العمل ، فسقى الزرع ، وكنس البيت ، وجلب الماء ، وأنضج الطعام.. رأى صاحب العمل ما رأى ، واستحسن همة الأجير ، وأسر ذلك فى نفسه دون أن يبدى أى شكر أو امتنان .. حتى أنه ضحك ، وهو بمفرده قائلا : هذا الأجير لم يفهم أن السباط فى أول طلعه ليس بذات فائدة .. دعه يعمل .. وحين يأتى الوقت يكون الكلام .. كان الأجير ينظر إلى النخيل كل يوم ، حتى شاهده فى أحد الأيام وقد أزهر ، فصاح : لقد حان قضاء الأجر .. وفى ديوان صاحب النخيل حيث كان يجلس مسترخيا مبتسما ، رفع إليه مطلبه، صمت صاحب النخيل برهة ثم قال : - يا رجل اصبر حتى يكون الزهر بلحا .. قلب الأجير كلام صاحب النخيل فى ذهنه ، ووجد أن هذا الكلام هو عين العقل ، واعتذر لأن فضيلة الصبر كانت عنه غائبة ، لوح صاحب النخيل والعمل بإهمال، وأشار إلى إليه أن يواصل عمله .. فى يوم من الأيام تطلع إلى أعلى ، فصاح على الفور : - لقد حان قضاء الأجر .. لأنه رأى النخيل وقد حمل البلح الأخضر .. ربت صاحب العمل على كتف الأجير قائلا : ها أنت تتسرع مرة أخرى .. اترك يا رجل هذا البلح الأخضر حتى ينضج .. فكر الأجير لحظة ، ووجد أن هذا هو عين العقل ، فمضى سعيدا ، وقد ازدادت حماسته ، وهو يؤدى كل الأعمال التى يكلفه بها صاحب العمل ، وقد اتسع حجم يقينه بأنه يعمل عند رجل يريد له مزيدا من الخير .. ومرت الأيام ، ونضج البلح ، فصار أحمر اللون ، جميل المنظر ، فدخل الأجير مسرعا على صاحب العمل والبلح فى ديوانه ، حيث كان يستريح قبل المغرب .. أخذ صاحب العمل يهرش رأسه ، وكأنه يفكر ، ثم قال : - هل تصمم على أخذ أجرك ؟ تودد الأجير ، وقال هامسا : - وماذا يرى سيدى ؟ قال صاحب العمل : أرى ألا تصمم حتى يصير البلح رطبا جنيا .. أجاب الأجير وقد كبرت قناعته بعظمة صاحب البلح : لن أصمم الآن على أخذ أجرى .. هذا عين العقل .. كان صاحب العمل والنخيل يضحك ضحكا صاخبا حتى ظهرت نواجذه ، وهو بمفرده ، إذ عرف أن هذا العام قد قضيت فيه كل حاجاته دون أن يكلف خزانته درهما ، لأن الليل جاء ، وكان قد اتفق مع التجار على جني البلح ، وشدد فى الطلب دون ضجة أو بهرجة ، ومن ثم حمل التجار كل حصاد العام ، ومضوا .. أما الأجير الذي ظل يعمل مؤجلا موعد حصوله على أجره فقد كان نائما فى سبات عميق !! فلما جاء الصباح استيقظ على صوت غاضب يصيح به : قم أيها الكسول .. قم أيها الكسول .. ارتاع الأجير من أن يتهمه أحد بالكسل ، وهو على ما هو من نشاط ودأب .. لم يترك له صاحب النخيل والعمل وقتا ليفكر فى رد مناسب ، إذ صاح : اذهب خارج بيتى .. كيف تجرؤ على النوم فى بيوت الناس ؟! - أنا أعمل عندك !! - انتهى العمل هذا العام ، وعليك الخروج حالا .. لملم الأجير حاجياته ، وحين استقام طالب بأجره .. ضحك صاحب العمل والنخيل ، وهو يقول : اخرج وخذه .. تحرك الأجير خارجا ، وهو فى ذهول من تغير معاملة صاحب العمل له ، ولكنه منى نفسه بوجود سباطات البلح الناضج فى الخارج .. ما عليه إلا أن يأخذها ويذهب فعلا .. هكذا كان الاتفاق ، ولا حق له فى أن يغضب .. حينما تطلع إلى أعلى وجد النخيل أجرد بلا ثمار ، التفت إلى الخلف فوجد باب البيت مغلقا ، وصاحب النخيل غير موجود .. هز رأسه وهو يصيح : هذا هو عين العقل .. مضى سريعا مبتعدا ، قبل أن يصير أضحوكة .. فلو كان صمم على أخذ حقه فى الوقت المناسب ما استطاع أحد أن يستغفله .. أليس هذا هو عين العقل حقيقة؟!
أمسكت جماعة البوم بأحد الفئران ، والشىء الغريب ، والأمر المريب أن البوم لم تأكل الفأر مع أنه يمثل لها طعاما من ألذ الأطعمة !!
حينما تم القبض على الفأر ، صاح كبير البوم بصوت جهير :
- رحبوا بصديقنا .. أعطوه الطعام الوفير ، والمسكن المريح ..
ثم همس بصوت خفيض لاثنين من أتباعه البوم ، وأمرهما أن يراقبا الفأر ، فلا يغيب عن بصرهما لحظة من ليل أو نهار .
نفذ البوم أوامر كبيرهم ، فضربت الحراسة المشددة حول الفأر فى خفية ، ودون أن يشعر ، ورغم العداء القديم ، والمتأصل بين البوم والفئران ، إلا أن الفأر استكان ، وخضع تماما ، وأثنى على الذين أبقوا على حياته ، وقدموا له الطعام فى مواعيده دون تأخير أو تقتير ، فإذا جاء المساء تحلق البوم الفأر ، ومع أن رائحتهم تسبب له حساسية ، واحتقان أنفه ، إلا أن الفأر كان يجلس منصتا ، وهو يعجب من كم القصص التى يعرفها البوم ، كل يقص بدوره ، فإذا جاء دوره ليقص قصة ، اعتذر ، لأنه لا يجيد هذا الفن ، وكان كبير البوم ينظر إليه فى عتاب قائلا :
- وهل لا يعرف الفأر قصة واحدة ؟!
وقبل أن يواصل الفأر تقديم اعتذاره مرة أخرى ، يندفع البوم صائحا :
- لابد أنه يعرف قصصا كثيرة ، ولكنه يضن بها علينا نحن البوم !
عند هذا يحد الفأر نفسه فى موقف المتهم بالتعالى على من حماه ، وأمنه ، فيرفع يديه مستجيرا من الفهم الخاطىء : أنا لا أعرف .. أنا لا أعرف
ولكن البوم لا يترك له فرصة للدفاع عن نفسه ، لأنهم جمعهم يقوم منصرفا ، تاركا حارسين عبوسين أخرسين ، لا يدعانه ينفرد بنفسه أبدا .
كان الفأر يمتلئ قلبه خوفا ، كلما تذكر أنه بين البوم أعداء الفئران ، وكان يخلد للنوم فورا لكى يهرب من سيطرة هذا الرعب .
كان البوم يخطط لشىء ما ، وكان على الفأر أن يفهم أنه بين أعداء جنسه ، فلا يركن لظاهر الأشياء ، أو يستنيم للأمانى التى جعلته يقول لنفسه : " ربما نسى البوم طبع الاعتداء .. ربما يعرض على أن أكون رسول سلام .. إنى أنتظر .. "
كان هذا إذن هو تفكير الفأر ..
وها هو يجلس على يمين كبير البوم ، وبجانب مقعد ملكه ، مستمعا إلى الأقاصيص ، وحينما جاء دوره مثل كل يوم تنحنح ، لأنه كان قد استعد لقول شىء ما ، وحدجه البوم بانتباه شديد ، قال الفأر :
- سأقص قصة ..
- وهل تعرف ؟!
قال الفأر : سأحاول .. سأحكى عن شىء أعرفه ..
قال البوم : احك .. احك .. كلنا آذان صاغية ..
قال الفأر : نحن الفئران نسكن الجحور فلا يرانا البوم ..
قال البوم : هكذا ؟! .. أنتم أذكياء .. ولكن ... متى تخرجون للبحث عن الطعام؟
قال الفأر : مرة قبل غروب الشمس ، ومرة بعد شروقها ..
قال البوم : ولماذا كل هذا التعب ؟!
قال الفأر : لأننا نعرف أن البوم ينام بالنهار ، ويستيقظ بالليل خارجا للصيد ..
قال البوم : ولكن أمامكم النهار كله .. ؟!
قال الفأر : لنا أعداء غير البوم .. أنا آسف .. الثعابين تسعى لمهاجمة الفئران بالنهار ..
عند انتهاء الفأر من كلماته السابقة وقع فى دهشة ، واضطراب كبيرين ، وهو يرى نفسه وحيدا فجأة ، فقد انصرف البوم قبل أن ينتهي من قصته ..
لاحظ الفأر أن البوم قد بكر فى الاستيقاظ ، والشمس ما زالت حمراء فى الأفق، وهذه ليست عادته ، ثم وقف كله فى طوابير صائحة صيحات الحرب ، وسمع بأذنيه كبيرهم ، وهو يقول :
- لا تتركوا فأرا واحدا .. الآن أنتم تعرفون كل شىء عنهم ، هذا الأحمق الذى أسرناه باح بأسرارهم دون أن يشعر ..
تضاحك البوم عند هذه الملاحظة الخاصة بالفأر ، وصاح صيحة واحدة :
- سمعا وطاعة يا كبيرنا ..
صرخ كبير البوم :
- انطلقوا .. اهجموا ..
كانت الحرب المعلنة حرب إبادة .
برزت عينا الفأر هلعا ، واقشعر بدنه ، وأخذ يقرض أسنانه بأسنانه ، فها هو قد فهم بعد فوات الآوان سر الرعاية الزائدة من جانب البوم ..
كتب الصبى بالقلم على وجه الصفحة البيضاء : أنا أكره .... صاحت الممحاة : قف .. توقف ..ارتعش القلم ، وبالفعل توقف ، فى حين قامت الممحاة بإزالة الجملة السابقة .عاد الصبى يكتب : أوامر أبى ، وأمى كثيرة ... لم يستطع القلم الاستمرار ، إذ أن الممحاة صاحت محذرة : وهل تكتب هذا يا قلم ؟! أجابها القلم : لا .. لن أكتب أما الصبى فكتب : الليل طويل ، وأنا أخاف الليل. لم تنطق الممحاة لأنها كانت تعمل فى محو هذا الكلام ، وحينما أراد الصبى كتابة واجبه المدرسى ، لم يطاوعه القلم ؟ وفى المساء نظر فيما كتبه سابقا فوجد صفحة الكراس بيضاء ، وحين اندهش ، اندهش بمفرده ، لأنه سمع القلم والممحاة والصفحة البيضاء تتكلم فى صوت واحد : اكتب ... اكتب .. أمسك الصبى بالقلم فأطاعه ، إذ كتب : أنا أحب أبى وأمى ، والناس ، ولا أخاف الليل لأنه شىء طبيعى يأتى بعد النهار، فأنا شجاع كان هذا فى السطر الأول . وكتب فى السطر الثانى : أنا أحترم كبار السن ، وأساعد الآخرين . وكتب فى السطر الثالث : الصدق مع نفسى ومع الآخرين .. ابتسم الصبى لأنه وجد نفسه يسير فى الطريق الصحيح ؟ فكتب فى السطر الرابع : أحب النظافة والقراءة، وأحب وطنى ، وأعمل من أجله ابتسمت الصفحة البيضاء ، وقالت : هذا شىء عظيم سأحتفظ به، لن يضيع .. لن يضيع .. إذا سأل أحد عن القلم والممحاة فسوف نقول له إنهما طوع أمرك ، إذا كنت قد فهمت أن لكل منهما روح مثلك ، وحين تمسكهما في يدك تتعانق روح كل منهما مع روحك .
نزل رجل اشتهر بالحمق إلى سوق إحدى البلاد ، وكان يبحث عن حمار ينفذ الأوامر فور التلفظ بها ، بدون استخدام العصا !! دهش التجار لهذا الطلب .. أما الرجل فقد صمم على موقفه ، وكان جادا فى طلبه .. قال لو وجد هذا الحمار ، سأدفع ثمنه من حر مالي ألفا من القطع المعدنية . أحدث هذا الأمر بين التجار فعله ، فتعالت الضحكات ، والسخرية .. أين يوجد حمار يفهم الأوامر وينفذها ؟! بعد مدة ترك التجار الرجل ، ومضوا إلى أعمالهم إلا تاجرا بعينه ، تمعن فى الأمر ، ووجده فرصة للربح ، وبعد أن فكر وتدبر ، اقترب من الرجل صاحب الطلب الغريب ، وتم التعارف بين الاثنين ، وتبادلا الحديث . اتفق الاثنان على تسلم الحمار ، الذى ينفذ الأوامر بدون عصا بعد شهر من الزمن . قال الرجل للتاجر : - أريد من هذا الحمار إذا قلت له قف .. وقف .. ابتسم التاجر ، وقال له : - سوف يكون الحمار جاهزا لتلقى أوامرك بعد شهر .. وعلى هذا افترق الرجلان .. أما التاجر فقد انتقى حمارا من حميره ، وأخذ يدربه تدريبا متواصلا على تلقى الأوامر البسيطة ، جاعلا من الأصوات مؤثرات ، يستجيب لها الحمار .. بعد شهر من الزمن جاء الرجل يسأل عن طلبه ، فوجد التاجر ، ووجد الحمار ، وكاد يطير من الفرح ، إذ جرب التاجر الحمار أمامه ، فحين أراد له التاجر أن يمشى ، صاح : " حا " فمشى الحمار الهوينى .. وحينما أراد له أن يجرى صاح : " شى " .. فجرى الحمار جريا سريعا منتظما، كل ذلك لم يرض الرجل فقد صاح غاضبا : ولكنى أريد ثلاث سرعات لا اثنتين فقط .. كان التاجر جاهزا ، إذ عرك أذنه ، وهو يقول : - أهى لو تصبر ؟! .. أنا لا أبيع بضاعة فاسدة ، أو مغشوشة يا صاحبى .. لقد احتفظت بالكلمة الثالثة ، التى هى مفتاح السرعة الثالثة ، خوفا على الناس فى الطرقات ، لأنك سوف ترى سرعة لا تحلم بها .. ثم همس التاجر فى أذن الرجل قائلا : - إذا أردته أن يسابق الريح فما عليك إلا أن تقول : " ياه " وهكذا تمت الصفقة بين الاثنين .. ركب الأحمق الحمار ، وبدا متشامخا فوقه ، وعندما قال : " حا " كما حفظ عن التاجر ، سار الحمار سيرا عاديا بدون عصا ، فرغب أن يجرب الكلمة الثانية فقال : " شى " زادت سرعة الحمار على الفور حتى رأى الرجل الشجر ، والبيوت تتراجع إلى الوراء بسرعة ، قبل أن يستطيع التأمل فى أشكالها ، أو ألوانها .. امتلأ قلب الرجل بالسرور ، وقال فى نفسه : هذه بضاعة طيبة ، وإنى أفاخر بها أقرانى وجيرانى .. فعلت هذه الكلمات فعلها ، فظل الأحمق ينادى على الحمار بكلمة " شى " دون غيرها ، واحتفظ بالكلمة الثالثة ليجربها فى يوم آخر ، ولكن الحمار كان قد غادر البلدة ، وانفسحت أمامه الأرض ، فقاد راكبه إلى الصحراء ، ومن الصحراء إلى الجبال ، ووجد الرجل دابته مدربة تدريبا ماهرا فى مواجهة الصعاب ، فلو وجد صخرة فى طريقه ، قفز قفزة رائعة ، واجتازها بسهولة ، بدون أن يسبب للرجل أي مضايقة . كان الرجل سعيدا ، ووسط سعادته هذه لم ينتبه إلى أن الحمار يجرى الآن فوق جبل عال ، وهو الآن يقترب من حافته ، فزع الرجل عندئذ إذ أن نهاية الجبل تنتهي بهاوية ، يقبع فى عمقها واد واسع ، بدت أشجاره قزمة من فوق ارتفاع الجبل ، ومن هول المفاجأة أطلق الرجل صيحة دهشة قائلا : " ياااه " فاندفع الحمار يسابق الريح نحو الهاوية . شعر الرجل لحظة أنه يطير فى الهواء ، و الأرض من تحته بعيدة بعيدة ، عض على أصابعه ندما ، وهو يقول لنفسه :
وقف البخيل يوما أمام البحر ، وتدافعت فى رأسه عدة أغنيات تتحدث عن البحر، أو الماء ، فقال فى نفسه : " فعلا .. الماء سر الحياة .. لا أعرف إذا لم يكن الماء موجودا كيف ستكون حال الناس ؟ "







